عبد الرحمن السهيلي
270
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
حتى آتيه وأدركه ، وإن الأمر أهون ما تذهبون إليه فلا تغتروا ، ثم والله كأنما كانت نفسه حصاةً فألقيت في طست . آخر ما تكلم به عليه السلام : فصل : وذكر أن آخر كلمة تكلم بها عليه السلام : اللهم الرفيق الأعلى ، وهذا منتزع من قوله تبارك وتعالى : « فأولئك مع الذين أنْعَمُ اللّه عليهم من النَّبِّيينَ والصِّدِّيقين » إلى قوله سبحانه : « وحَسُن أولئك رَفِيقاً » النساء فهذا هو الرفيق الأعلى ، ولم يقل : الرفقاء ، لما قدمناه في هذا الكتاب مما حسن ذلك ، مع أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد ، فهذه آخر كلمة تكلم بها عليه السلام ، وهي تتضمن معنى التوحيد الذي يجب أن يكون آخر كلام المؤمن ، لأنه قال : « مع الذين أنعم اللّه عليهم » وهم أصحاب الصراط المستقيم ، وهم أهل لا إله إلا الله ، قال الله تعالى : « اهْدِنا الصِّراط المستقيم صِراطَ الذين أنعمت عليهم » ثم بين في الآية المتقدمة من الذين أنعم الله عليهم فذكرهم ، وهم الرفيق الأعلى الذي ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خبر فاختار ، وبعض الرواة يقول عن عائشة في هذا الحديث : فأشار بأصبعه ، وقال : في الرفيق ، وفي رواية أخرى أنه قال : اللهم الرفيق ، وأشار بالسبابة ، يريد : التوحيد ، فقد دخل بهذه الإشارة في عموم قوله عليه السلام : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ، ولا شك أنه عليه السلام في أعلى درجات الجنة ، ولو لم يشر ، ولكن ذكرنا هذا لئلا يقول القائل : لم لم يكن آخر كلامه : لا إله إلا الله ، وأول كلمة تكلم بها رسول الله وهو مسترضع عند حليمة أن قال : الله أكبر ، رأيت ذلك في بعض كتب الواقدي . وأما آخر ما أوصى به عليه السلام بأن قال : الصلاة وما ملكت أيمانكم حرك لها لسانه وما يكاد يبين ، وفي قوله : ملكت أيمانكم قولان : قيل : أراد الرفق بالمملوك ، وقيل : أراد الزكاة ، لأنها في القرآن مقرونة بالصلاة ، وهي من ملك اليمين ، قاله الخطابي . وقول عائشة رضي الله عنها : فمن سفهي وحداثة سني أنه قبض في حجري فوضعت رأسه على الوسادة ، وقمت ألتدم مع النساء . الالتدام : ضرب الخد باليد ، ولم يدخل هذا في التحريم ، لأن التحريم إنما وقع على الصراخ والنواح ، ولعنت الخارقة والحالقة والصالقة وهي الرافعة لصوتها ، ولم يذكر اللدم لكنه ، وإن لم يذكره ، فإنه مكروه في حال المصيبة ، وتركه أحمد إلا على أحمد صلى الله عليه وسلم : فالصّبر يحمد في المصائب كلّها * إلاّ عليك فإنه مذموم * * * وقد كان يدعى لابس الصّبر حازماً * فأصبح يدعى حازماً حين يجزع تحديد زمن وفاته : واتفقوا أنه توفي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين إلا شيئاً ذكره ابن قتيبة في المعارف : الأربعاء ، قالوا كلهم : وفي ربيع الأول ، غير أنهم قالوا ، أو قال أكثرهم في الثاني عشر من ربيع ، ولا يصح أن يكون توفي صلى الله عليه وسلم إلا في الثاني من الشهر أو الثالث عشر أو الرابع عشر أو الخامس عشر لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة ، وهو التاسع من ذي الحجة ، فدخل ذو الحجة يوم الخميس ، فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت ، فإن كان الجمعة ، فقد كان صفر إما السبت وإما الأحد ، فإن كان السبت ، فقد كان ربيع الأحد أو الاثنين ، وكيفا دارت الحال على هذا الحساب ، فلم يكن الثاني عشر من ربيع يوم الاثنين بوجه ، ولا الأربعاء أيضاً كما قال القتبي ، وذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف أنه توفي في الثاني من ربيع الأول ، وهذا القول وإن كان خلاف أهل الجمهور فإنه لا يبعد أن كانت الثلاثة الأشهر التي قبله كلها من تسعة وعشرين ، فتدبره ، فإنه صحيح ، ولم أر أحداً تفطن له ، وقد رأيت للخوارزمي أنه توفي عليه السلام في أول يوم من ربيع الأول ، وهذا أقرب في القياس بما ذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف .